محمد بن جرير الطبري

147

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

التي لا تضر ولا تنفع ولا تخلق ولا تأمر ، تبارك الله معبودنا الذي له عبادة كل شيء رب العالمين . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا هشام أبو عبد الرحمن ، قال : ثنا بقية بن الوليد ، قال : ثني عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصاري ، عن عبد العزيز الشامي ، عن أبيه أبو عبد العزيز الشامي ، وكانت له صحبة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح ، وحمد نفسه ، قل شكره وحبط عمله . ومن زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئا فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه ، لقوله : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ " . القول في تأويل قوله تعالى ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً يقول تعالى ذكره : ادعوا أيها الناس ربكم وحده ، فأخلصوا له الدعاء دون ما تدعون من دونه من الآلهة والأصنام . تَضَرُّعاً يقول : تذللا واستكانة لطاعته . وَخُفْيَةً يقول : بخشوع قلوبكم وصحة اليقين منكم بوحدانيته فيما بينكم وبينه ، لا جهارا مراءاة ، وقلوبكم غير موقنة بوحدانيته وربوبيته ، فعل أهل النفاق والخداع لله ولرسوله . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد بن نصره قال أخبرنا ابن المبارك ، عن المبارك بن فضالة ، عن الحسن ، قال : إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر جاره ، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس ، وإن كان الرجل ليصلى الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به . ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدا . ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم ، وذلك أن الله يقول . ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً وذلك أن الله ذكر عبدا صالحا ، فرضي فعله فقال : إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن عاصم الأحول ، عن أبي عثمان النهدي ، عن أبي موسى ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة ، فأشرفوا على ولد يكبرون ويهللون ويرفعون أصواتهم ، فقال . " أيها الناس اربعوا على أنفسكم ، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا معكم " . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال ثني حجاج عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس ، قوله : ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً قال : السر . وأما قوله : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ فإن معناه : إن ربكم لا يحب من اعتدى فتجاوز حده الذي حده لعباده في دعائه ومسألته ربه ، ورفعه صوته فوق الحد الذي حد لهم في دعائهم إياه ومسألتهم وفي غير ذلك من الأمور . كما : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا معتمر بن سليمان ، قال : أنبأنا إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان عن عباد بن عباد ، عن علقمة ، عن أبي مجلز : ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ قال : لا يسأل منازل الأنبياء عليهم السلام . حدثني القاسم قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ في الدعاء ولا في غيره . قال ابن جريج : إن من الدعاء اعتداء يكره رفع الصوت والنداء والصياح بالدعاء ، ويؤمر بالتضرع والاستكانة . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ يعني تعالى ذكره بقوله : وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها لا تشركوا بالله في الأرض ولا تعصوه فيها ؛ وذلك هو الفساد فيها . وقد ذكرنا الرواية في ذلك فيما مضى وبينا معناه بشواهده . بَعْدَ إِصْلاحِها يقول : بعد إصلاح الله إياه لأهل طاعته بابتعاثه فيهم الرسل دعاة إلى الحق ، وإيضاحه حججه لهم . وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً يقول : وأخلصوا له الدعاء والعمل ، ولا تشركوا في عملكم له شيئا غيره من الآلهة والأصنام وغير ذلك ، وليكن ما يكون منكم في ذلك خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه ؛ وإن من كان دعاؤه إياه على غير ذلك فهو بالآخرة من المكذبين ، لأن من لم يخف عقاب الله ولم يرج ثوابه لم يبال ما ركب من أمر يسخطه الله ولا يرضاه . إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ يقول تعالى ذكره : إن ثواب الله الذي وعد المحسنين على إحسانهم في الدنيا قريب منهم . وذلك هو رحمته ؛ لأنه ليس